بقلم:د . عبد الرحيم جاموس
لم يعد السؤال اليوم: ماذا تريد حركة حماس؟ بل ماذا يحتاج الشعب الفلسطيني؟ فبين هذين السؤالين تكمن المسافة الفاصلة بين الحسابات الفصائلية ومتطلبات القضية الوطنية، وبين رهانات التنظيم واستحقاقات الشعب الذي يواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخه المعاصر.
بعد شهور طويلة من الحرب والدمار والمجازر والحصار والتجويع، وبعد أن تحولت غزة إلى ساحة مفتوحة للموت والخراب والمعاناة الإنسانية غير المسبوقة، لم يعد هناك متسع من الوقت لمزيد من المناورات السياسية أو الرهانات الإقليمية التي أثبتت الوقائع محدودية تأثيرها وعجزها عن حماية الشعب الفلسطيني أو وقف نزيفه المستمر.
لقد دفعت غزة ثمناً يفوق قدرة أي مجتمع على الاحتمال.
عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى، ومدن وأحياء كاملة سويت بالأرض، وبنية اجتماعية واقتصادية تعرضت للتدمير المنهجي، فيما تتواصل المخاطر التي تهدد الوجود الفلسطيني ذاته عبر مشاريع التهجير وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي للقطاع بما يخدم أهداف اليمين الإسرائيلي المتطرف.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات الجارية أكثر من مجرد نقاش حول ترتيبات مؤقتة أو تبادل أسرى أو إدارة مرحلة انتقالية؛ إنها تتعلق بمصير غزة ومستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
ولذلك فإن أي تأخير غير مبرر أو أي محاولة لتحسين المواقع السياسية على حساب الضرورات الوطنية قد تكون كلفته باهظة على الشعب الفلسطيني وقضيته.
إن ما يثير القلق ليس فقط استمرار الحرب، بل استمرار بعض الأطراف في الاعتقاد أن متغيراً إقليمياً ما سيقلب المعادلات رأساً على عقب، أو أن رهانات الخارج يمكن أن تعوض خسائر الداخل.
لقد أثبتت التجربة أن القوى الإقليمية، مهما رفعت من شعارات الدعم والمساندة، تتحرك وفق مصالحها الوطنية وحساباتها الخاصة، وليس وفق أولويات الشعب الفلسطيني وحده.
أما الفلسطينيون فهم الذين يدفعون الثمن دائماً عندما تخطئ الحسابات أو تتضخم الأوهام.
ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: ماذا جنى الفلسطينيون من استمرار هذه الرهانات؟ وهل نجح ما يسمى بمحور الإسناد في منع تدمير غزة أو حماية أهلها أو وقف المجازر بحقهم؟ وهل استطاعت الشعارات الكبيرة أن توفر للفلسطينيين الأمن أو الغذاء أو الحماية أو الأفق السياسي؟
إن الإجابة المؤلمة تكمن في واقع غزة نفسه.
لقد أثبتت الأحداث أن امتلاك السلاح لا يكفي وحده لحماية الشعوب إذا لم يكن جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين السياسة والمقاومة والدبلوماسية والقدرة على إدارة الصراع بحكمة ومسؤولية.
كما أثبتت أن الانفراد بالقرار الوطني، مهما كانت دوافعه أو مبرراته، يقود في نهاية المطاف إلى إضعاف الجبهة الداخلية وتفتيت عناصر القوة الفلسطينية.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مخارج تحفظ ماء وجه هذا الطرف أو ذاك، بل البحث عن مخرج ينقذ غزة ويحمي الشعب الفلسطيني ويحافظ على ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني. فالقضية أكبر من أي فصيل، وغزة أكبر من أي سلطة أو إدارة أو نفوذ سياسي.
إن اللحظة الراهنة تفرض على الجميع، وفي مقدمتهم حركة حماس، مراجعة شجاعة ومسؤولة للتجربة بأكملها، بعيداً عن المكابرة أو الهروب إلى الأمام. فالمراجعة ليست هزيمة، بل شرط من شروط النهوض الوطني.
أما الإصرار على السياسات ذاتها رغم النتائج الكارثية فهو إمعان في الخطأ وإهدار لفرص الإنقاذ الممكنة.
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج اليوم إلى انتصار تنظيمي أو فصائلي، بل إلى انتصار وطني يعيد الاعتبار لوحدة القضية ووحدة التمثيل ووحدة القرار السياسي. ويحتاج قبل ذلك كله إلى قيادة تضع مصالحه فوق مصالحها، ومستقبله فوق حساباتها، وحقه في البقاء على أرضه فوق كل الاعتبارات الأخرى.
لقد وصلت غزة إلى لحظة الحقيقة. لحظة تفرض على الجميع الاختيار بين الاستمرار في دوامة الرهانات التي استنفدت أغراضها، وبين الانحياز إلى منطق العقل والمسؤولية الوطنية.
فالتاريخ لا يحاسب القوى السياسية على نواياها ولا على شعاراتها، وإنما على النتائج التي تترتب على قراراتها.
ويبقى السؤال معلقاً أمام حركة حماس وأمام كل القوى الفلسطينية: هل تكون مصلحة الشعب الفلسطيني وإنقاذ غزة هي البوصلة والمرجعية والغاية، أم تبقى الحسابات الفصائلية والرهانات الخارجية هي الحاكمة للقرار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل غزة وحدها، بل قد تحدد مستقبل القضية الفلسطينية بأسرها.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
11/6/2026م