الإنقلاب ومعاناة غزة …في ذكرى الانقلاب المشؤوم 2017/6/14

نفذت حركة حماس الانقلاب على الشعب الفلسطيني بتاريخ 2007/6/14، فانقلبت على المواطن الذي أرادها في الدولة بالانتخاب لا بالانقلاب، و انقلبت على الرئيس الفلسطيني الذي أقر لها بالتواجد في أجهزة الدولة و تجاوز عن شذوذ وضعها بعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، رغبة منه في جمع أطياف الشعب الفلسطيني تحت القانون، و انقلبت على الدستور الجامع الضام لكل فلسطيني على أرض فلسطين، و انقلبت على المفاهيم الوطنية التي انسجم بها كل أبناء فلسطين، و انقلبت على الدم الفلسطيني الذي حرمته الثورة إلا أن يكون دم الخيانة المطلقة المثبتة على صاحبه. حركة حماس لم تنقلب انقلابا أبيضا على حكومة كانت حكومة الرئيس المشكلة من حماس، ولم تنقلب على النظام و تتوقف، بل انقلبت على كل شيئ فلسطيني، وتجاوزت كل الخطوط الحمراء، حين استباحت القتل، و استباحت الوحدة الوطنية، و استباحت تعاليم الدين الحنيف بالفتاوى المنحرفة عن جادة الصواب ، ولو أنها أبقت انقلابها أبيضا ينأى عن الدم الفلسطيني و الاعتداء على الحريات العامة ،،ناهيك عن حالة الفساد المالي لديهم ؛ لكان الحديث عن المصالحة أقل صعوبة من طرفهم ، و لأوجودا لأنفسهم خيارات قد تكون مغايرة للشكل القائم حاليا في تحالفها مع إيران.
بهكذا نوع من الإنقلابات، تصبح العودة إلى الوراء صعبة غير يسيرة، ولا يتبقى لأصحابها سوى الإمعان في ذات الطريق المظلم، فلا القاتل يقبل بنزع حمايته و أن يتراجع إلى مربع المواطن العادي خشية من أصحاب الدم الذي سفك، و خشية من غضبة الشعب الذي أهين و تم امتهانه على مدار السنوات الماضية، و لعل هذا سبب من العديد من الأسباب التي تجعل حركة حماس منقسمة على نفسها حول المصالحة، فالبعض يرغب بالمصالحة الآن عوضا عن انفلات الأمور مستقبلا، كي تكون جسرا له و طوق نجاة ، و أما البعض الآخر فيرفضها خوفا و خشية على نفسه و يرى بأن المصالحة لن تكون راعا امام ردة فعل الجماهير التي ستتنفس الصعداء بزوال السيطرة الأمنية لحماس في قطاع غزة، و ستستعيد قوتها و قدراتها المقموعة على يد الانقلاب.
حركة حماس لم تمارس انقلابها المدروس في ذات اليوم الذي أتمت ما تسميه (الحسم العسكري)، بل بدأ المسلسل الانقلابي لديهم منذ عام 96 بتشكيل خلايا سرية للاغتيالات السياسية، وباغتيال اللواء “جاد التايه ” و ما أعقبه من أحداث انفلات أمني بدأتها حماس و نقلتها للفصائل الأخرى و حتى إلى بعض المجموعات العسكرية في فتح ؛ و بالتزامن مع ضح إعلامي مدروس يهدف إلى إسقاط حركة فتح و الفكرة الوطنية المتمثلة بالمشروع الوطني، من وجدان المواطنين و ضميرهم و ثقتهم، استطاعت حركة حماس أن تغرر بجزء لا يستهان به من الشعب الفلسطيني تحت شعارات دينية و وطنية مختلفة. إلى أن استشهد الرمز “أبو عمار” ، و الذي كان درعا جامعا لكل التناقضات الفلسطينية يضبطها بيده و تحترمه و تخشاه كل الفصائل الفلسطينية على اختلافها علما بأن الزهار في الانتفاضة الثانية المجيدة أعلنها واضحة حين قال : هذه مسرحية! و حين حوصر الرئيس الرمز أبو عمار قالوا : هذه معركته وحده ! و قتئذ لم ينتصر أحد للخالد أبو عمار سوى فتح و من يؤمن به من أبناء الشعب، و نساء فلسطين الذين توجهن ( بالطناجر ) إلى المقاطعة من أجل كسر الحصار عنه.
و بإقرار الرئيس أبو مازن بالانتخابات و عقدها، و دعوته للفصائل أن تشارك بها ؛ استطاعت حركة حماس الدخول إلى النظام السياسي، و حصلت على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي، و بدأت بالتصرف على أساس أنها حصلت على معظم أصوات الناخبين و هذا ما كان فيه مغالطة كبيرة، حيث أثبتت العملية الانتخابية أن حركة فتح حصلت على أكبر عدد من الأصوات التي ومع الأسف تفرقت على أكبر عدد من المرشحين، في مقابل حركة حماس التي دخلت بنظام إلى العملية الانتخابية فحصدت الأغلبية.
و المغالطة الثانية التي قامت بها حماس، بالترويج على أن ( حكومتها ) منتخبة، متناسين أن المجلس التشريعي منتخب، و الحكومة حكومة الرئيس المنتخب (يكلفها بالوزارة) أو ( يقيلها منها)، و هذا حقه الدستوري.
و مع أن المراهقة السياسية التي حكى عنها المثقفون و كل السياسيين في الوطن و في الخارج، والتي مارستها حركة حماس من خلال الخطاب المفتقر إلى اللياقة السياسية و الحنكة في الأداء، رفض الرئيس إقالة حكومة إسماعيل هنية الأولى، مع تصاعد المطالب بإقالتها نتيجة لدخول السلطة الوطنية في عزلة سياسية نتيجة مقاطعة كل دول العالم للحكومة الفلسطينية مستندين ،تبريرا إلى الخطاب الذي تبنته حركة حماس و الذي افتقر إلى الواقعية السياسية و لجأ إلى مناكفة العالم ورفض كل الاتفاقات التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية على مبدأ أنها بديل عن المنظمة، علاوة على تسببها بانقطاع الرواتب للموظفين على مدار عام كامل في ظل توفيرها لرواتب موظفيها و عناصرها في سياسية مقصودة تهدف إلى إنهاك البنية الأمنية و العسكرية في السلطة الوطنية، و الذي ظهر الغرض منه فيما بعد في خلق حالة من عدم الانتماء و الرغبة في الدفاع عن منجزات السلطة في قطاع غزة إبان ( الانقلاب) سادت بين عناصر الأجهزة الأمنية.
وحين وجدت حركة حماس نفسها في أزمة سياسية تتحمل مسؤوليتها أمام الشعب الفلسطيني و العالم، في ظل اكتفاء حركة فتح بالمعارضة، لجأت إلى تحويل الموقف إلى مناكفة سياسية و عسكرية مع حركة فتح ( قيادة المنظمة )، و خلق واقع من التصادم الغير مبرر بتنفيذ العديد من الاعتداءات من خلال قوتها التنفيذية التي أقحمتها ( بشكل غير دستوري تجاوزه الرئيس باعتمادها نزعا لفتيل الأزمة) تلك القوة التي أوجدت مفهوما غريبا باعتداء جزء من المنظمة الأمنية الفلسطينية على جزئها الأخر في ظل حكومة واحدة !
و بتأزم الوضع الذي تسارع بشكل كبير بعد ( اتفاق مكة ) لجأت حركة حماس إلى الادعاء بحجة التيار الدايتوني و إتباع سياسية التخوين لتسويغ الانقلاب في أذهان الناس و تسهيله،و أنجزت اتفاقها على دماء الأبرياء من الموظفين الذين يسعون إلى لقمة عيشهم من أبناء الأجهزة الأمنية، و غيرهم من أبناء و كوادر حركة فتح الذين سفكت دمائهم بشكل دموي مثل :
أبو المجد غريب،،و سميح المدهون،،و بهاء أبو جراد،، جمال ابو الجديان،، و عناصر معسكر قريش من المتدربين العزل من السلاح. و بشكل لا مثيل له من الإساءة و التجاوز، اقتحمت مؤسسات السلطة في غزة، و مكاتب حركة فتح، وتم نهبها و مصادرة موجوداتها.
ولم يتوقف المسلسل على هذا الحد، بل امتد إلى تدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني في قطاع غزة ، بإغراق ذمة عناصرهم ( و هم أبناء غزة) بدم أبناء حركة فتح ( و هم أبناء غزة)، و التمادي فيما بعد بالحديث المغالط و المدعم بالفتاوي التي تبيح دماء أبناء حركة فتح استنادا على سياسة التخوين و التفكير، إضافة إلى تسخير منابرهم الإعلامية ( الأقصى) و منابر المساجد في خلق حالة من التحريض ضد أبناء الحركة، تترافق مع بث أفكار ( الإرهاب الفكري) بالاعتداء على كل من عارض و يعارض حتى الآن سياسية حركة حماس، و الشواهد كثيرة، لم يسلم منها أي فصيل حتى الجهاد الإسلامي حليفهم الاستراتيجي.
و بعد الانقلاب، استمرت حركة حماس في عملية الفصل الجغرافي و السياسي و الإنساني، و رهن الشعب في غزة إلى مغامرتهم السياسية و العسكرية بل و الاجتماعية أيضا، علاوة على رهن القضية الفلسطينية جمعاء بموقفهم المخالف للتوجه الوطني، بما اضر بالمصلحة الوطنية و أكسب الاحتلال ذرائع شتى للتهرب من مسؤولياته، و الإمعان في ممارساته، سواء بحصار غزة أو الاستيطان أو التهويد في الضفة و الذي استغلت به حالة الانقسام و الضعف في الموقف السياسي الذي يفترض تماسك الشعب عليه، و حالة اللاشرعية المطلقة التي وقعت بها السلطة الوطنية نتيجة الانقسام.
وفي خضم التشويه و الطعن الذي يتم ممارسته من حماس في حق الجسم السياسي و الإداري للسلطة الوطنية، لم تسلم الحريات العامة و الجمعيات و المؤسسات و الممتلكات في غزة من شرور الانقلاب، فتم مصادرة العديد من الممتلكات الخاصة، و نهب الجمعيات التي تتعارض مع نهج حماس، فرض ضرائب باهظة على المواطنين في تفاصيل حياتهم لتتجاوز حماس حاليا أزمة الرواتب لعناصرها، و تنفيذ عمليات الهدم بحق بيوت المواطنين في رفح، و التلاعب في التيار الكهربائي في القطاع بأسره، و الكثير الكثير من الممارسات السيئة و التي لا ترتقي إلى المسؤولية الأخلاقية.
و مع كل هذا ، دعت حركة فتح و السلطة الوطنية، و حين تم التنبه إلى خطورة استغلال الانقسام من قبل العالم و إسرائيل و كافة الطامحين لطمس القضية الفلسطينية، إلى مصالحة وطنية فلسطينية، و بدعم عربي بدأت مصر جهود المصالحة، و خلال فترة من النقاشات التي جرت بين الفصائل، تم صياغة الورقة المصرية للمصالحة و التي وافق عليها الجميع بما فيهم حماس التي أحجمت في التوقيع بناء على توجه معسكرها الإقليمي الرافض للمصالحة استغلالا للورقة الفلسطينية في ابتزاز العرب و المجتمع الدولي.
وبعودة إلى الحصار المفروض على الشعب في غزة، و نتيجة للعزلة السياسية التي تورطت بها حماس، و تراجع دور الأنفاق في التمويل و التهريب وقعت حماس في شرك الأزمة الاقتصادية و بدأت تنقسم على نفسها بفعل تأخير الرواتب – دون إغفال إلى الانقسام الداخلي في الموقف من الانقلاب و الممارسات المختلفة – و بهذا لجأت إلى مزيد من التضييق على المواطنين بفرض عقوبات جماعية تحت اسم الضرائب و التي لم تكن بأية حال من الأحوال منطقية أو ضمن شرعية الأعراف والقوانين، و استغلت عمليات الاعتقال في تحميل المختطفين أعباء مالية تتمثل بفرض كفالات و غرامات مالية باهظة متكررة ( بإعادة الاعتقال للشخص عدة مرات).
في ظل هذا الوضع الخانق و الحراك السياسي المستمر لرفع الظلم عن قطاع غزة، و الدعوات لإتمام المصالحة، تستمر حركة حماس في الإمعان برفض المصالحة و ابتزاز المواقف مراهنة على خطفها للمواطنين في غزة رهائن لمغامرتها السياسية، و تعطيل الجهود بمزيد من العراقيل التي لا معنى لها سوى تسويف المصالحة الوطنية انتظارا منها لإحداث حالة من الاختراق للعزلة السياسية، و التي تجلت في محاولة استثمار أسطول الحرية و القفز عليه لتجريم السلطة و مصر و المجتمع العربي و المطالبة باعتراف بشرعية الانقلاب برفع قميص عثمان المسمى ( بالحصار) في متاجرة واضحة بمعاناة الشعب الفلسطيني في القطاع، تلك المعاناة التي لو تصرفت حماس بقليل من العقلانية و الإنسانية لتراجعت عن انقلابها حقنا لنزيف الألم و الجوع لدى مواطني القطاع المحاصر. و لأن حركة حماس تدرك بأن جهد السلطة الوطنية و حركة فتح في عملية إنهاء الحصار، ستعرقل عليهم بشكل تلقائي غير محسوب عملية انتزاع الشرعية السياسية التي تمارسها حماس، سارعت و على الفور إلى اتهام السلطة بأنها لا تأبه لفك الحصار بقدر ما تأبه للعودة إلى القطاع و إعادة الاحتلال له، هذا الاتهام الخالي من المنطقية و كأن الحديث يدور عن منطقة لم تكن محتلة يوما او محاصرة من الاحتلال الذي يقتحمها و يعتقل من مواطنيها و يعتدي على مقدراتها بشكل يومي، علاوة عن أن الحديث عن حركة فتح بهذا الشكل يوحي بأن أبناء فتح و الضفة ليسوا من أبناء الشعب الفلسطيني و ليس لهم حقوق في قطاع غزة، كأنما هي مقاطعة لحماس و ليست أرضا لفلسطين.
إن مثل هذا السلوك المنافي للقيم الإنسانية و الذي تمارسه حركة حماس، يقوض كافة الجهود الشعبية و الإنسانية في عملية التحرير، و يمعن في هدر القضية الفلسطينية بتحويل الأنظار إلى مشكلة حماس و تقزيم القضية على أنها خلاف سياسي لا دور للاحتلال به، بما يجعل حالة من التعطيل في مقاومة الاحتلال و ممارساته تطفو في الأذهان و التصريحات التي لم تعد تتحدث عن القدس المحتلة و عملية التهويد. هذا الوضع غير الصحيح تتحمل مسؤوليته بكل تأكيد حركة حماس فهي الطريق الوحيد الذي يعرقل المصالحة التي يرغبها الجميع ليعود الشعب الفلسطيني إلى الأصل و الوضع الافتراضي في حالته و هي ( الوحدة في مواجهة المحتل )
قد يعجبك ايضا