وكالة وطن 24 الاخبارية

يعد مصمم الباليه الفرنسي موريس بيجار 1927 ـ 2007 من أهم محدثي هذا الفن في العالم، ولا تزال فرقته التي أسسها «باليه بيجار» تعرض تصميماته الراقصة البليغة بجدارتها التعبيرية، التي تعكس ولعه بالفلسفة وعالم الأفكار، وعلاقته الخاصة والمتفردة بالموسيقى، التي لم يكن يرضى أن يتبعها خاضعاً مطيعاً، وإنما كان يجعل من الرقصة نداً للمعزوفة، تنافسها في التفوق وقوة التأثير والاستحواذ على المتلقي، ولذلك كان يختار القطع الموسيقية الصعبة والغامضة، ليثبت قدرته على النفاذ إلى أعماقها، وكشف أسرارها واستخلاص كافة معانيها، وفي أعماله نرى تحديثاً حقيقياً، ربما كان أكثر صعوبة وعمقا من الباليه في شكله الكلاسيكي، وهي أعمال زاخرة بالتنوع الفني والفكري، حيث كان منفتحاً بشكل كبير على أنواع مختلفة من الموسيقى والثقافات، خصوصاً الثقافة الشرقية، حيث أبدع باليه «باكتي» المستوحى من الأساطير الهندية العتيقة، وقصة حب الإله كريشنا للإلهة رادها، ونفذه بالكامل على أنغام الموسيقى الكلاسيكية الهندية، أما انفتاحه على الثقافة العربية بموسيقاها وغنائها ولغتها، فيظهر في رقصة «الإشراقات» 1979 التي نشاهد حركاتها بينما نستمع إلى صوت أم كلثوم في أغنية «تائب تجري دموعي ندما» بأداء أسطوري للراقص الأرجنتيني الراحل «جورج دون» واستجابة عاطفية للرقص والموسيقى والغناء لا مثيل لها، وقد خاض بيجار الكثير من هذه التحديات الفنية الصعبة بجهد ممتع، ولا شك في أن السيمفونية التاسعة لبيتهوفن كانت التحدي الأعظم، فأي جرأة تلك التي يتطلبها الوقوف أمام عمل فني جبار وأعجوبة من أعاجيب الدنيا.

رقصة القدر

يبدأ الباليه برقصة القدر بمصاحبة موسيقى الحركة الأولى من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وتبدأ الرقصة بالسكون والجمود، حيث الكل مهزوم على الأرض، والأجساد مستلقية على خشبة المسرح في وضع جنيني، كل جسد بمفرده ينكمش على نفسه، يحاول أن يحتضنها أو يحميها، ولا اتصال بين جسد وآخر، وتحاول هذه الأجساد من حين إلى آخر أن ترفع ذراعاً أو ساقاً نحو الأعلى، لكنها سرعان ما تعاود الانكماش مرة أخرى، والالتصاق بالأرض، ونشعر كأننا نشاهد البشرية المهزومة، بينما نستمع إلى موسيقى بيتهوفن المُخيفة، والأداء الأوركسترالي العاصف الرهيب، حيث تتوالى ضربات القدر التي تخلع القلوب، تلك الضربات التي نخشى تكررها، ولا نريدها أن تقع، وإذا وقعت فلا نريد أن نسمعها، وتعبر الرقصة عن الحيرة والتشتت والهلع والكفاح الإنساني المستميت في مواجهة قوة جبارة، بتكرر محاولات النهوض والوقوف، والفشل والسقوط، وكثرة الضربات في الهواء، بقبضة اليد، وحركة الذراعين كجناحي طائر يحاول الانعتاق والتحليق، والقفز إلى أعلى والدوران في الهواء للتعبير عن الرغبة في الفكاك، وفي الجزء الأخير من الرقصة، يبدأ التواصل الجسدي بين الرجال والنساء من الراقصين، بخطوات حذرة مترددة، إلى أن يحدث التكاتف والتعاضد، وتنتهي هذه المواجهة العنيفة مع القدر، والجميع يتصبب عرقا، ويحمل كل رجل امرأته التي تكاد تقترب من الموت، بآخر ما تبقى لديه من قوة، وقد نهضت الأجساد أخيراً ويبدو أنها انتصرت، أو نجت على الأقل.
ينتهي الباليه برقصة الفرح بمصاحبة الحركة الرابعة والأخيرة من السيمفونية، وفيها لا يعبر بيجار عن موسيقى بيتهوفن وحسب، وإنما يعبر أيضاً عن أفكار الشاعر الألماني شيللر في “نشيد الفرح”.

رقصة القوة والحرية

مع الحركة الثانية من السيمفونية، تبدأ رقصة القوة والحرية، باختلاف كامل عن الرقصة التي صاحبت الحركة الأولى في بداية الباليه، حيث نرى الابتسامة على وجوه الراقصين من الرجال والنساء، والحركات الواثقة بلا خوف أو تردد أو حذر، والقوة الداخلية التي تنعكس على الأجساد بفعل الشعور بالحرية، ويكثر استعراض القوة والمهارات الفردية في الرقص، والقدرة على أداء الحركات الصعبة، كالرقص على ساق واحدة على سبيل المثال، ويكون الجسد منفتحاً على الخارج طوال الوقت، كما يكثر التواصل البصري بين الراقصين، والتصفيق بالأيدي بشكل جماعي في لحظات معينة، للإعلان عن الوجود والتأثير والصوت المسموع، وعلى العكس من قبضة اليد في الرقصة الأولى، تُرفع اليد بكف مفتوحة وأصابع منبسطة، ويبدو حال البشرية أفضل إلى حد بعيد، وقد تخلصت من المعاناة الجسدية، وحققت الأمان المادي، لكنها في الوقت نفسه، تبدو وكأنها ينقصها شيء ما، أو إنها لم تكتشف بعد كل الأمور المهمة التي يجب معرفتها، لذا تظهر المعاناة الفكرية على الراقصين، فالحرية تحض على البحث والتفكير وإعمال العقل.

رقصة الحب

مع موسيقى بيتهوفن الهادئة العذبة في الحركة الثالثة من السيمفونية، نشعر بالراحة أخيراً والأمان النفسي، ونحن نشاهد رقصة الحب، التي صممها بيجار على أروع ما يكون، بحركات بالغة الصعوبة رغم بطئها الشديد، وقربها إلى الثبات، كتمديد الجسد إلى أقصى درجة، واتخاذه تشكيلات هي أقرب إلى المنحوتات الفنية المعقدة، وهي رقصة ثنائية بين رجل وامرأة، لا نرى سواهما على المسرح، وتبدو هذه الرقصة وكأنها تعبير عن اكتشاف البشرية للحب، وتعرفها عليه لأول مرة، ويظهر ذلك في التواصل البصري واقتراب الوجوه وتنفس الهواء بعمق والتلامس، والتعبير عن الدهشة والإعجاب بهذا الشيء الجميل الرائع، ومحاولة استكشافه بكافة الحواس، وتذوق طعمه وشم رائحته وتحسس ملمسه، وبعد أن يأمن كل منهما إلى هذا الشيء تماماً، يكون السير جنباً إلى جنب بخطوات توقيعية أنيقة وتبدأ رحلة الحب.

رقصة الفرح

ينتهي الباليه برقصة الفرح بمصاحبة الحركة الرابعة والأخيرة من السيمفونية، وفيها لا يعبر بيجار عن موسيقى بيتهوفن وحسب، وإنما يعبر أيضاً عن أفكار الشاعر الألماني شيللر في «نشيد الفرح» تلك القصيدة التي أغرم بها بيتهوفن، وأراد أن يمجدها، وأن تقترن بموسيقاه إلى الأبد، ومن أجلها أدخل الغناء إلى السيمفونية، وكان بيجار عبقرياً عندما عبر عن الرباعي الصوتي البشري (باريتون، تينور، كونتر ألطو، سوبرانو) لدى بيتهوفن، من خلال أربعة من الراقصين، بملابس مختلفة الألوان وحركات مختلفة أيضاً بالطبع، حيث يدخل الراقص الأول ثم الثاني والثالث والرابع، وعلى جميع الوجوه نشوة الانتصار والفرح بالقوة والحرية والحب، أما اللحظة الأكثر جلالاً في هذه الرقصة، فهي بالتأكيد لحظة الصمت، التي جعلها بيتهوفن فاصلاً أو انتقالاً أو تمهيداً ضرورياً لدخول الغناء، وكم كانت ثقيلة وطويلة لحظة الصمت، وزاد من الإحساس بثقلها عدم توقف الرقص، وكان بيجار مدهشاً في تصميم الرقص على إيقاع الصمت، ومع انضمام الكورال إلى الرباعي الصوتي البشري، يدخل عدد هائل من الراقصين دفعة واحدة وبسرعة شديدة، ويمتلئ المسرح بمجموعة بشرية متنوعة الألوان والملامح، وتكون الأجساد متقاربة والأذرع متشابكة، وكأنما تحققت نبوءة شيللر أو أمنيته بأن يصير الجميع إخوة، واكتملت سعادة البشرية بالفرح الذي لا يتحقق إلا بعد القوة والحرية والحب، وقد شارك بيجار في تمجيد الفرح أيضاً، وفي تقديم هذا الحلم بعالم مثالي، وعبر برقصاته خير تعبير، عن موسيقى أهداها إلينا بيتهوفن بينما كان هو محروماً من سماعها، وعن فرح تمناه شيللر للإنسانية التي عانقها بحرارة ولم تمنحه إلا لسعة الجليد.

*كاتبة مصرية