وكالة وطن 24 الاخبارية

 بنفس لغة التجزئة (وثقافاتها النتيجة) التي انتهجها مؤسسي وقادة كيان الإحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وباستمرار لمنهجية القوى الاستعمارية التي اتُّبِعَت بحقه إبّان نكبته تمهيداً لغرس المكون الغريب المعتدي بخاصرة العروبة، تُصنع سياسات الإحتلال وتُحدد مهام أجهزته المتخصصة بالتعاطي وملف أسيراتنا وأسرانا الصامدين في المعتقلات الخاوية ممن فقد إرادة الصبر والحياة، الملئى بِجموعٍ فقدت إرادة اللحاق بركب الإنسانية بل لا زالت متقوقعة بعقدة الضحية حيث منها تنطلق بهيئة السجّان لتمارس صنوفاً من التنكيل والإجرام.  

الواقع المُرّ الذي نفهمه على القوة الإحتلالية المُسيطرة؛ لكننا نرفضه وندركه معاشاً عابراً لن يدوم ما دام أصحاب الحق ماضون على درب التحرر نحو الخلاص.
 
الغير مفهوم هنا أو مُستَوعب أن ننسجم وذات المنهجية دون التنبه أو الالتفات لخطورة الواقع الضارِب بجذوة القضية المقدسة (قضية الكل الفلسطيني) في مقتل، واستدراكاً للتأويل بالاتهام (الأمر الغير منشود) نتساءل عما أصاب فعلنا تجاه مَن آمن بحقه بالحياة ورفض الاحتلال وسياساته، أولئك الذين انتفضوا في مواقفٍ مختلفة انتصاراً لشعبهم ورفضاً لمحاولات المساس بكرامته، لِمَن غدوا أسيرات وأسرى خلف قضبان الحقد وسط ظلمة الجدران وظلام بانيها! فهل يُعقل أن تبقى بناتنا وأبناؤنا رهن الإعتقال في معتقلاتٍ تمسي حقيقةً متقَبَّلة بحيث طوّعنا مداركنا وإمكاناتنا وأطرنا للتعايش معها ومنذ أربعين عاما ! وكيف لتلك المواقع والرتب أن تُنالَ استحقاقاً نُسِجَ بصبر وعذابات أسرانا ودون الأداء المتناسب وإرادتهم التي أخجلتنا ولا زالت! كيف للبعض أن يستمرئ إيصال ذويهم طرق أبواب البعض المسؤول الغير مُساءل! وبمستوى نضالهم لأين وصلت إرادتنا الشعبية التي من المُفترض أنها حاضِنة آمالهم وإيمانهم حارسة وعيّهم من نهشِ النفس لجدوى فِعلهم !
 
أما الغير مقبول المتساوق وسياسات الاحتلال في هذا الشأن فهو الاستمرار العبثي بشرذمة قضيتنا الأقدس؛ قضية الإنسان الشهيد الحيّ (مع وقف التنفيذ) ومِن قِبل البعض الأقدر بخلافِ غيرهم على فهم قداستها، كتلك الفصائل التي تمضي هذه المرة لتُسقِط جمودها وارتداد أدوارها على القضية التي من المُفترض أنها لا تقبل القسمة بل تجمع. فمَن قال أن التنكيل بأحد أحرارنا وعزله هي قضية فصيلٍ بعينه وليست قضية كلّ فلسطينية وفلسطيني، القضية الأساس لرفاق الزنزانة على اختلاف مشاربهم ! في تنكرٍ مستمر لوحدة الحال والمصير المنسوجة بالإرادة النموذج لأسيراتنا وأسرانا الذين باتوا هدفاً خلفه تخفي فصائل وعناوين وقيادات عجزها.
 
الأدهى أن يدأب أحرارنا من خلف القضبان ليواجهوا بصلابة تنكيل السجان، والحرص على أحوال ومعاش الأهل والأحباب، تطهير المعتقلات من خبث وقذارة المُحتل وأعوانه، التمسك بكل مظهرٍ ممكن من مظاهر الحياة ما أوتوا عبر مواصلة التعليم والإنتاج المعرفي والثقافي وكل شكلٍ بإمكانه الإبقاء على دفءِ الروح ودرئها من صقيع الجدران.

 المُخجل أن يسخِّر أحرارنا جهودهم وما امتلكوه من إمكانات وعلاقات للوقوف على قضايا الإنسان تلك التي تصلهم فيتابعوا شؤون الناس واحتياجاتهم مراهنين على قيمتهم النضالية في وعي شعبهم التي يستخدمونها جواز مرورهم لعبور الحواجز التي نُصبت مقابل الدوائر والمقرات في وجه العديد من المناضلين والمواطنين البسطاء في بيئةٍ باتت رهناً لمعادلة الجغرافيا والقبيلة.
 
ينخرطُ الفلسطيني حيثما حلّ بفِعل ظروفه المستحيلة في مواجهة هذا الإحتلال العنصري وبشتى الميادين تجسيداً لإرادته الحرة لحماية حقه في الأرض والوجود، وانكفأ قسراً عن قضايا وأبعاد هي أساساً في دربه النضالي التحرري. لكنه ولأسبابٍ موضوعية لم يحفظ التوازن المطلوب بين المسارات كافة أبرزها التصدي للاحتلال وسياساته وبناء الكيانية الوطنية والحفاظ على اتقاد جذوة قضيته العادلة ومكانتها في وعي الشعوب، إلا أنّ الثابت في كل هذا أن القضايا الوطنية هي المُحدد المعيار لكل توجهٍ وفعل بحيث تتقدم على كل شأن ولا يجوز تقبل أية اخفاقات بمحيطها، وللتذكير فإن قضية كل أسير هي قضية ذويه وأسرته وعائلته ولا تنحصر بانعكاساتها على شخصه فقط وعليه لنا أن نتتبع حجم الفئات التي تعاني تلك المأساة.
 
إن تتبعنا أثر فعلنا تجاه أحرارنا والوفاء لهم سنلمس حجم الضعف الذي أصابنا وندرك افتقادنا لإرادة الانتصار الفعلية لهم، فأسيراتنا وأسرانا ليسوا بحاجة الكلمة التي تصفهم بالأبطال ولا القصائد المرتجفة صدقاً، ولا البيانات التي تُبدع وتتفنن بوصف قيمتهم النضالية على الورق ستمنحهم الدرع لِيَقِيهم من سطوة الصراع المحتدم خذلاناً بأعماقهم، ولن تغنيهم وقفاتنا وشعاراتنا الصادحة عن حضن أحبائهم والأمان بمنازلهم الواسعة، أما اللقطات المُبهِرة عبر الشاشات والصور البرّاقة بوسائل التواصل الإجتماعي فلن تصدّ عنهم الضيق الذي يعتمر صدورهم قبل وأثناء وفور التقائهم الأعزاء في زياراتٍ هي في حقيقتها فصولاً من المعاناة.
 
أما إن أردنا أن نستلهم دروساً في الوطنية وبكيفية الانتصار لقيمنا النضالية ولأحرار فلسطين؛ لأطفالنا المنفردين طفولةً ولبناتنا الكريمات وأبنائنا العمالقة فلنا أن نستعين بالقرار الحق الذي واجه به الرئيس (محمود عباس) العالم أجمع من شرقه لغربه، رافضاً استقبال الملايين منقوصةً مليماً واحداً من أقل الممكن (القاصر عن تعويض أحرارنا سني أعمارهم) المُقدم على هيئة رواتب مخصصة للفئة الأسمى بين فئات الشعب الفلسطيني شهداؤنا وأسرانا، لقد عاد كل مَن تواصل وزارَ المقاطعة (مقر الرئيس أبو مازن) بخُفي حنين لِفشل محاولاتهم التي هدفت إقناع الرئيس العدول عن قراره ودفعه ملوحين بخطورة الوضع الإقتصادي الفلسطيني لاستلام أموال (المقاصّة). نعم إنه على حق؛ فكيفَ لأيّ منا أن يقبل امتلاك قوت يومه بينما الأحرار وذوي الأبرار يعانون شظف العيش، فإما أن نحيا معاً بكرامة وحرية أو نجوع معاً بعزٍ وكبرياء.

بقلم: ميساء أبو زيدان