وكالة وطن 24 الاخبارية

يصعب إحصاء "أجمل الأمهات" تلك التي انتظرت ابنها وستنتظر، بل ستغدو مهمة مستحيلة عند الشروع بإحصاء ذوي الأبرار أيضاً الذين سقطوا على مذبح الكرامة والحرية، المعروف أنّ عشرات الآلاف من الشهداء قضوا لأجل فلسطين. أما الأحرار خلف القضبان بلغ عددهم حسب آخر إحصائية رسمية الـ (4400) أسيراً منهم (44) امرأة و(140) طفل إضافةً لِـ (226) من الأسرى الشهداء، ويبلغ عدد الأسرى المحررين ما يُقارب الـ (7500) أسيرة وأسير، فأما ذوي الحركة الأسيرة يُعدّوا وبكل تأكيد بالآلاف، ولا يمكن هنا المرور عن جثامين الشهداء المحتجزة لدى الإحتلال الإسرائيلي والتي تُقدّر بالعشرات بل أكثر. هذه القيّم؛ والتي ينضم لها أصحاب الأجساد المُتوسمة بالجراح الغائرة شرفاً، هي التي اعتلت قمة الهرم النضاليّ، باتت هاجساً قضّ مضجع قادة الإحتلال ومؤسساته مما دفعه لتبني جملة من السياسات التي من شأنها صدّ الفلسطينييّن عن الانخراط بالمسار التحرري.

وصْم قيمنا النضالية بالإرهاب كان الخطوة التي سبقت اقتطاع الإسرائيليين شباط العام الفائت جزءًا من أموال المقاصّة الفلسطينية بحجة أنها تعود لإرهابييّن عبر عملٍ محظور! المحاولة التي جاءت غطاءًا لحقيقة التوجهات الإسرائيلية التي تستهدف الحالة النضالية في الوعي الفلسطيني العام. الحال الذي قوبل قيادةً وشعباً برفضٍ قاطع من خلال عدم استلام أموال المقاصّة، رغم الواقع الإقتصادي الحرج الذي يعاني منه الفلسطينييّون خاصةً بظل انعكاسات جائحة الكورونا القاسية، رد الفعل الذي ترجم مقدرة مُفترضة على قراءة وفهم الآخر (الإحتلال) انطلاقاً من المحددات التي تفرضها قواعد الاشتباك الدائم معه، وبالمستوى الذي لا يمكن ضمنه بحالٍ من الأحوال التردد أو التراجع، انطلاقاً من البعدين؛ النظري (القيمي) والتطبيقي (الإلزامي). لكن؛ ما يتوارى خلف سطور العامل الذاتيّ يتناقض والظاهر بهذا الشأن، الواقع الذي تثبته الحِراكات المتزاحمة بميدان الاستحقاق الإنتخابي مؤخراً. 

وتركيزاً لِما ذُكِر آنفاً؛ تجدر الإشارة إلى أن العمل ضمن المؤسسة التشريعية لا ينحصر بالإطارين التشريعي والقانوني فقط، بل وحسبما هو مُقرّ فإن جملة القضايا المُلِحة على اختلافها تُحال مهاماً للجان المجلس، قضية الأسرى واحدة من تخصصاتها. أمّا إن أردنا أن نزنها كقضية بحدود الفعل العام سنجد أنها تحظى بالخِفة فعلاً في حسابات المعنييّن أطراً وأفرادا باستثناء التوكيدات الشعاراتية السقوف العاطفية المُنطلق، الاعتصامات الأسبوعية لأهالي الأسرى التي تشهدها مقرات الصليب الأحمر الدولي دليلٌ واحد من كثير. وعليه؛ فأيّ مؤسسة تشريعية ننشد، ومَنْ هم الأعضاء القادرين في هذا المضمار؟ وهل من الممكن انتزاع حقهم الترشح والانتخاب من خلف القضبان أسوةً بأبناء شعبهم أصحاب ذات الحق إلى حين تلوح نسائم حريتهم ؟

السؤال الضرورة؛ الذي يفرض نفسه في هذا الشأن الواجب طرحه بِملء الفاه وعلوّ الصوت؛ ما هو مستوى حضور الأسرى من داخل المعتقلات أو حتى دورهم في الحراك المحموم الذي يشهده الشارع الفلسطيني الخاص بالانتخابات في مرحلتها الأولى (التشريعية)؟ أم أن سقف دورهم فيها حُدِّد بمدى مباركتهم العملية ككل أو دعمهم المُقترحين لخوضها على اختلاف انتماءاتهم ! المُغاير هنا؛ هو الاحتمال الكبير أن يتم استثمارهم وقوداً لأحد الأطراف المتنافسة بسياق صفقة تحرر تُعقد مع هذا المُحتَل، في مسعى لترجح كفته الخاصة بعدد المقاعد في المؤسسة التشريعية. 

يُقال : " الحيّ أبقى من الميت" وعليه فلا يمكن للشهداء أن يحضروا المشهد فاعلين، بل بحدود كونهم البوصلة التي تحدد دروب البذل لصالح الشعب بفئاته المختلفة. فما بالُنا بالأسرى، الشهداء الأحياء! وتفادياً الخوض في طبيعة الفعل الخاص بهم قضيةً، الذي يعايشه ذويهم بِخضم مجريات حياتهم اليومية، كما ذوي شهدائنا، نُسائل الحشود التي تتقدم الصفوف مُزكيةً نفسها بهدف خوض الاستحقاق الوطني الهام حقيقةً: ما هو أثر فِعلكم ومدى فاعلية مواقفكم تجاه قضية إنساننا الأولى (قضية الأسرى) ! بل أين كنتم من شؤون واحتياجات ذويهم التي اضطرتهم الانتظار أمام الأبواب الموصدة إهمالاً وتنكراً ! وماذا عن الحراكات التي خضتوها منتصرين لحقهم في الحرية وكرامة ذويهم ! وماذا كنتم فاعلين بيوميات أسر الشهداء وأبنائهم ! هل شاركتموهم فرحةً ارتسمت على محيّا واحداً من أطفالهم، أو كفكفتهم دموعاً سالت على وجنتي أمٌ ثكلى، أم رافقتم ابنة الشهيد التي باتت على أبواب المرحلة الجامعية في مشوار توفير الأقساط الجامعية ! ما هو موقعكم من الإعراب يا مَن تتزاحمون لتحظوا بمقاعد المؤسسة التي من المفترض أنها العمود الفقري لكرامة الإنسان الفلسطيني في دائرة المعاناة بتفاصيلها اليومية التي تجاهدها قيمنا النضالية الحيّة وذويهم !!

انطلاقاً من ذلك كله؛ بات قرار القيم النضالية (أسرانا البواسل تحديداً) هو المعيار الأساس الواجب اعتماده لتزكية مَن يُمثل الشعب تحت سقف المجلس التشريعي، الذي من المفترض أنه المؤسسة التي ستنتصر لحقوق المواطن وكرامة الإنسان. أمّا كيف لمدى فاعليته وقدرته التصدي بصلابة لكل ما من شأنه النيل من ثبات الفلسطيني على أرضه أن يكون؟ هذا ما يستوجب إحالته سؤالاً لأولئك المنتصرين ثباتاً رغم قمعية باستيلات الإحتلال، فهم الإرادة الأَوْلى بتحديد ملامح ممثليهم وأبناء شعبهم لخوض الاستحقاق الهام، وهم الأقدر على تزكية مَنْ بمقدورهم خوض المعارك بأروقة التشريعي انتصاراً لهم ولذويهم، وبالتأكيد حماية استحقاقات القيم النضالية كافة، المؤشر الرئيس الذي سيثبت فاعلية الدور المنوط بمَنْ سيتبوؤا مقاعد التشريع، والمعيار الذي بواسطته تُزكى الأطراف المُتنافِسة بما فيها مكونات قوائمها.

بقلم: ميساء أبو زيدان.