وكالة وطن 24 الاخبارية

في بداية مقدمته لكتابه «نجيب محفوظ.. السارد والتشكيلي» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يؤكد الكاتب أشرف أبو اليزيد الدور الاستثنائي الذي أدّاه الروائي العالمي الراحل نجيب محفوظ، وأثّر به في الثقافة العربية المعاصرة، وهو دور تخطّى حدود فن السرد الأدبي إلى فضاءات الفنون التي تماست معه.

 هنا يخص أبو اليزيد بكتابته فن التشكيل، الذي يعتقد أنه لم يكن أقل تأثيرًا في أدب هذا السارد الفذ، ولا يقصر الحديث على التشكيل بحدود التصوير الكلاسيكي، بل ينطلق إلى الفنون الأخرى المرتبطة به والدائرة في فلكه، كالحفر والرسم والكاريكاتير، والشرائط المصورة والنحت وصولاً إلى صناعة الكتب وتصميم أغلفتها وملصقات الأعمال الفنية والفعاليات الثقافية، بل الرسوم الجدارية.
 
أبو اليزيد يذكر هنا أن فكرة هذا الكتاب قد بدأت مع نشر مقالة عام 2006 رأى فيها أن يبحث عن مساحة لم يتطرق إليها النقد في دراسة أعمال هذا الأديب، وقد بدت له باحة الفن هي الأرحب والأجدر بالتفاتة عميقة، شكّلت منذ وقتها تحوّلاً كبيرًا في رؤيته لعالم نجيب محفوظ الروائي. بداية يقول أبو اليزيد إن الحديث عن الفن في أعمال السارد التشكيلي نجيب محفوظ يمكن أن يمتد فتكون له بداية لا نهاية، ولكن ذلك سيكون انصياعًا للرصد والإحصاء والتدليل والتمثيل، أكثر من كونه داعيًا لإعادة القراءة، ولذة الاكتشاف، التي يتمناها لكل من ينتهي من قراءة هذا الكتاب ومشاهدة لوحات هذا الألبوم.

وعن رسوم الفنان حسين فوزي لرواية «أولاد حارتنا» التي كانت تُنشر مسلسلة في جريدة «الأهرام»، يقول أبواليزيد إنه أفلح في بناء شخصيات لا تحتاج لمراجعة صورها لنرى التطابق أو نكتشف عدم التطابق بين تلك الشخوص، فلعل فوزي عامل كل لوحة كمشهد مستقل، استلّه من قلب النص لينشئ به نصًّا له قوامه المنفصل والمتصل، على حد سواء، بباقي النصوص. كما يذكر أن فوزي التزم بالتفاصيل التزامًا أمينًا وبالغًا في دقته، حتى كأنه يصور المشهد سينمائيًّا ولا يرسمه وحسب. أيضًا يقول الكاتب إنه لا يأتي أحد على ذكر روايات نجيب محفوظ إلا ويذكر الرسام الأشهر لأغلفتها والأكثر انتشارًا وهو الفنان جمال قطب.

رسام محفوظ

لقد كانت علاقة قطب، كما يحكيها في حوار له بعد وفاة نجيب محفوظ مع الصحافية مروة مجدي، قد بدأت منذ كان يعمل في دار الهلال وعرض عليه عبد الحميد جودة السحار أن يتعاون معه في «دار مصر للطباعة والنشر»، وهكذا تعرّف قطب على نجيب محفوظ وهو الذي رسم أغلفة كل رواياته ومجموعاته القصصية. الكاتب يقول كذلك إن قطب لم يحب لقب «رسام محفوظ»، رغم أن محفوظ هو أديبه المفضل لديه، لأنه يرى أن هذا الوصف مخالف للواقع، كما أن محفوظ لا تعجبه مثل هذه التعبيرات، كما يؤكد على لسان قطب أن محفوظ لم يتدخل في رسومه ولا لمرة واحدة، وكان يقول له إن لكل مبدع مؤلفاته ورؤاه الخاصة به، ومن حقه أن يبرزها، غير أن قطب لم يُظهر أبدًا رؤيته الخاصة في رسوم أعمال محفوظ الأدبية، بصورة تتعارض أو تختلف كثيرًا عن عالمه. كذلك ينقل أبو اليزيد عن قطب قوله، إن الكتاب رسالة إنسانية وثقافية، لكنه أيضًا سلعة تجارية، وإذا لم تتوافر فيها شروط الجاذبية يصعب أن تحقق النجاح، ويركد توزيع الكتاب، وبالتالي تفشل المهمة الثقافية والرسالة التي يحملها. قطب كان يرى أنه يرسم للناس البسطاء، ولذلك يجب أن يكون أسلوبه مفهومًا لديهم، خاصة وهو يختلف عن فنان المعرض.

الكاتب يقول كذلك إن أدب نجيب محفوظ مكّن الفنانين من أن يلجوا أبواب الفن التشكيلي من أوسعها ليغترفوا من فحوى الصور الأدبية المنتمية إلى تربة الوطن وبيئته الشعبية التي رسمها حروفًا فكر محفوظ، الأمر الذي أحدث توازنًا ثقافيًّا بين الأدب والفن. هنا أيضًا يقول إن محفوظ اعترف لمترجمه ذات اتصال بينهما أنه في أزمنة اللا يقين انتكس إلى أقصى درجات الرمزية، وسيلة لوضع الحقائق المؤلمة في قالب أدبي، ولكن حين كان يجد صعوبة في هذا النهج التحويلي، فإنه كان ينزع لابتكار نماذج أدبية في اتجاهات ذات شكل ومسعى جديدين. كذلك يذكر الكاتب أن الفنان سيف وانلي لخص شعر نجيب محفوظ الروائي بالخطوط البسيطة الصريحة، وبالمساحات اللونية الكريمة التي تبوح بغزارة المعنى، غير أنه اختار في الوقت نفسه ألوانًا تعبر عن جوانيات الشخصية، بتقلبها حينًا وتناقضها حينًا آخر، وانفتاحها على التجدد أحيانًا أخرى. لقد قرأ وانلي، على حد قول الكاتب، شخصيات محفوظ، وكأنه يستمد الإلهام من نبعين، أحدهما مزدحم جارف كحارة في قاهرة محفوظ، وثانيهما صاف وخلاب كبحر في إسكندرية وانلي.

أدب نجيب محفوظ مكّن الفنانين من أن يلجوا أبواب الفن التشكيلي من أوسعها ليغترفوا من فحوى الصور الأدبية المنتمية إلى تربة الوطن وبيئته الشعبية التي رسمها حروفًا فكر محفوظ، الأمر الذي أحدث توازنًا ثقافيًّا بين الأدب والفن.

التقنية الحديثة

في حوار له مع الكاتب يقول الفنان حلمي التوني، إن التقنية الحديثة صارت وبالاً، والأداة سيطرت على المضمون، لأن ضعف الموهبة تتم تغطيته بالتقنية، فالبهارات التقنية حيلة العجزة، وملجأ الفقراء، لكنه يؤكد على أن الإنسان أهم من الآلة التي لن تقدم جديدًا بصريًّا بدون رشاد وموهبة الإنسان. التوني قال ذلك ثم ابتسم وهو ينظر إلى نساء لوحته مضيفًا: مثل امرأة لا تتقن الطهو وتضيف كثيرًا من السمن، أو كمًّا هائلاً من السكر لتخفي به عيوب الوجبة التي تقدمها لك!
وبعد أن يتحدث أبو اليزيد عن علاقة رسومات حلمي التوني بروايات نجيب محفوظ، يصل إلى أن يقول، إن مصرية التوني التشكيلية أعادت تفسير مصرية محفوظ السردية بصريًّا، حتى أن نكهة أحدهما لم تتفوق على الآخر، ولم تغالب مكانة الفنان الأديب، وإنما هناك نهل متبادل، لأن المعين واحد. أبو اليزيد متحدثًا عن محفوظ يقول إن محفوظ أعاد مرات كثيرة تشكيل سرده، لنجده يثور على الصيغ التي آنسها وآلفها، ليقدم ثورة ذاتية، تنهض بشكل أدبي جديد، وهكذا فعل في عملين مهمين معاصرين وهما «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة». كذلك يورد الكاتب، على لسان التوني، ما قاله في تقديمه لمعرض الفنان محمد حجي منذ سنوات في الكويت إذ قال، إنه في العصر الحديث كانت العلاقة الحميمة بين الأدب والفن سببًا أساسيًّا في ظهور المدارس الحديثة في كليهما، وأبرز مثال على ذلك العلاقة التبادلية بين شعر أندريه بريتون مؤسس الحركة السيريالية ومُنظّرها ولوحات الفنانين السيريالين، ومن أبرزهم سلفادور دالي.

المعادلة الصعبة

ومتحدثًا عن مشروع الفنان صلاح عناني، يقول الكاتب إن الناقد والفنان صلاح بيصار، يرى أن التشكيلي صلاح عناني قد حقق المعادلة الصعبة التي أسقطت الحاجز بين الإبداع والمتذوق العادي، من خلال أسلوبه الخاص الذي امتزجت فيه صور الحياة اليومية بالجانب التعبيري الأسطوري. وتمثل أعمال عناني مساحة من النبض الحقيقي لروح الشعب المصري، تتجاوز التعبيرية النقدية إلى التعبيرية الهزلية، التي تتعانق فيها الملهاة مع المأساة، أو يمتزج فيها الجد بالهزل، وتتوحد الدراما مع الكوميديا. وعن رؤية الناشر الجديد لأعمال محفوظ المترجمة قائلاً، بأن رسوم جمال قطب تقليدية وقد تسيء إلى الروايات، حيث إنها تشبه أغلفة الروايات الشعبية في الغرب، يقول الكاتب إن التأويل الأجنبي لعالم محفوظ كان يستمد جذوره من تلقي القارئ البصري للسرديات في العصر الحديث، فكثيرًا من الروايات اليوم لا تفسر الرواية بصريًّا، تاركة الخيال جامحًا بخيله إلى آخر المضمار، يقوده القارئ أو الناقد حيث يشاء، لكن ذلك لم يكن مناسبًا حين قُدم عالم محفوظ إلى القارئ العربي قبل عقود.

وإلى جانب غوصه في عالم نجيب محفوظ ساردًا وتشكيليًّا، يضم أبو اليزيد في كتابه هذا إلى جانب مقالاته، عددًا من اللوحات التي صاحبت أعمال نجيب محفوظ، وصورًا لبعض أفيشات أفلامه، وعددًا من الأعمال التشكيلية الملونة.

٭ شاعر ومترجم مصري