وكالة وطن 24 الاخبارية

يعد الأدب رسالة فنية تختلف عن الرسائل اليومية التي تتم وفق اللغة العادية، وما تعرفه اللغة من ديناميكية في الزمان والمكان، هو ما يجعلنا نؤمن بأن قصة «قالت لي المتيمة» تجربة إبداعية للقاص حامد بلخالفي، تنقل انفعالاتِه ومشاعرَه ومواقفَه إلى الآخرين، وذلك بالاعتماد على غواية السرد والتوسل بقوة التصوير والتمثيل والإيحاء، وتبعا لذلك تتعدد الألفاظ والصور والأساليب بتعدد المواقف والانفعالات، إذ تتجلى غواية السرد في علاقتها سياقاتها المتباينة، التي تقتحم العوالم العميقة لجسد القصة، مبرزة قدرة ومهارة المبدع بلخالفي في صناعة المعنى وابتكار صور بلاغية خلَّاقة.
 
وبناء على غواية السّرد في الفن القصصي، لابد من الغوص في التجربة الإبداعية واستكشاف جوهر اللغة الكامنة في العلاقات بين الصور التي تتوحد فيها مختلف الأحاسيس المنغرسة في شعور المبدع، ورصد التكوينات الداخلية للبناء النصي، وما يتشكل داخله من علاقات باطنية، وما يحمله من قيمة إيجابية تمثل قيمة الرمز وسر متعته في غواية السّرد. وعلى هذا الأساس نجد القاص حامد البشير يستلهم صوره الرّمزية من عالم الطبيعة الذي يعد صورا في مرآة واحدة، بل صورة واحدة في مرايا مختلفة بتعبير الشيخ الأكبر ابن عربي، وبذلك يحدث التضايف بين المفاهيم المجردة والمرائي المادية والتعيينات التي عينها الوجود الحق. بيد أنّنا لا نستطيع أن نحصي كل الرموز المأخوذة من الطبيعة، ولكن نقتطف منها بعضها.

1- رمزية النور

اهتم القاص حامد البشير المكي بلخالفي بجانب الجمال فجسده وعبّر عنه في قالب رمزي يوحي بالسمو والقداسة، ولعل هذا ما يتجلى بوضوح بوساطة العديد من الرموز أهمها النّور الذي يمثل شحنةً رمزيةً، تشير إلى الصفاء والضّياء الذي ينشده الكاتب، في مجتمع عمَّته ظلمةٌ حالكة، طالت كل الميادين الثقافية والسياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق قالت كوثر لجعفر عندما ناداها بلقيس: «لا يهمني عرش بلقيس، كهفنا هذا الذي يؤوينا أفضل من كل عروش الدنيا، قلت لها لا أستطيع العيش بدونك، لقد أصبحت هوائي الذي أتنفس، قالت وأنت النور الذي أرى به الوجود كله».

إن رمزية النور تعزز الجانبَ الروحي للإنسان، وغياب النور معناه هيمنة الظلم والبغي. فالنور – كما جاء في التراث الأدبي- «رمز لتوالي الإشراقات الربانية وتعاقب الأنوار الرحمانية، والليل رمز للحجب والآثار الظلمانية التي تحجب القلب وتمنعه من مشاهدة الأنوار العلوية». ومن ثمّ، يمثل الرمز وسيلة تعبيرية لإقامة علاقة بين معنى مجرد وصورة حسية، فتشكل هذه العلاقة، بطريقة كلية أو جزئية، المعنى المراد تجسيده؛ وهذا يعني أن الرمز يكشف عن تلك النواحي والجوانب النفسية المستترة، التي لا تستطيع اللغة التعبير عنها، لكونه ليس مجرد وسيلة للتفاهم والإيحاء، أو مجرد معنى للتواصل، بل هو روح اللغة الناطق بما يعجز عنه لسانها». ولعلنا نلمس في القصة تعالق رمزية النور مع رمزية البكاء. إذ نلفي جعفر يفصح عن حبه لكوثر التي تذرف العبرات في خضم المعاناة قائلا: «كانت واضعة رأسها على ذراعي، وكانت يدها اليمنى تداعب شعيرات صدري، سكتت عن الكلام ثم أجهشت في بكاء خفي، جففت خديها من الدموع، مررت يدي اليسرى على جبينها، ضممتها بحب وشوق وهمست في أذنها: نامي قريرة العين يا حبيبتي، غدا يوم آخر ستشرق شمسه بالأفضل».

ويعتبر البكاء في الخطاب الأدبي «من بقية الوجود، وللباكين عند السماع مواجيد مختلفة، فمنهم من يبكي خوفا، ومنهم من يبكي شوقا، ومنهم من يبكي فرحا، وبكاء الوجدان أعز رتبة وحدوث ذلك في بعض مواطن حق اليقين، ومن حق اليقين في الدنيا إلمامات يسيرة، فيوجد البكاء من بعض مواطنه لوجود تغاير وتباين بين المحدث والقديم، فيكون البكاء رشحا هو من وصف الحدثان لوهج سطوة الرحمان». ولهذا أعرب القاص عن شدة الوجد بالبكاء.

متن «قالت لي المتيمة» هو بحث في ماهية الوجود بتجلياته وقيمه، وظف فيه القاص حامد البشير المكي بلخالفي، غواية السرد المكتسبة من تجربته الإبداعية في سياق إسراء ومعراج.

2- رمز الطير:

يرمز الطير في العمل الإبداعي إلى تذكُّر الروح عالمها المثالي الأول، وحنينها إليه حنين الغريب إلى وطنه، ويظفر القارئ بهذه الدلالات في «الحلقة الثامنة من القصة» إذ يعرب الصوت الشجي عن شجن القاص في قوله: «ها هي الطيور تتنافس في تغريدها وتغادر أعشاشها فرادى وجماعات، وها هو خرير مياه النهر التي تسيل بدون انقطاع لتصل إلى السهول تنادي أهل القرى ليباشروا نشاطهم اليومي».

نلحظ تخطي القاص لرمز الطير كمكون محسوس، وينعطف منه تجاه الحياة الباطنية وما تحمله النفس والروح من مجاهلَ وأعماق، فالطير يشدو تارة ويبكي أخرى. وفي هذه الصورة تناص مع قول عمر بن الفارض في التائية الصغرى:

ولولاكَ ما استهديتُ برقا، ولا شجَتْ
فؤادي فأَبْكَتْ إذ شدت وُرْقُ أيـكة
فــــــذاك هــدى أهـــــدى إلـي وهذه
على العود إذ غَنَّت عَنِ العود أغنت

إن حب الطبيعة لا يُجَذِّر في القاص الإحساس بالجمال وحسب، بل يُنَمِّي فيه أيضا حسا فنيا نادرا ما نجده لدى غيره، ويعود ذلك إلى أن أصوات الطيور تُكَوِّنُ نغمةً واحدة، تنشد العظمةَ الإلهية. وعلى هذا الأساس، فإن أولي الألباب الذين لهم آذانٌ واعيةٌ لسماع الأسرار كالنبي موسى، يسمعون نداءَ الله من كل شيء ويتلقون صوتَ السماء من كل ذَرَّة، ويشعرون بالحال والشوق والجَذْبَة والوجد، سواء أكان صوت المؤذن أم صوت عابرِ السَّبيل، أم كان طيور الرياض. ومن ثمة، تمثل الطبيعة في «قالت لي المتيمة» رمزا من رموز التعبير عن التحرر والانطلاق في الفضاء الرحب، الذي يتجسد فوق الشجرة الكريمة، التي يجد فيها جعفر الدفء والحنان وتذكره بأمه التي يسعد بقربها.

نستخلص أن الصور المستلهمة من الطبيعة وجدت مكانتها الخاصة والمتميزة ضمن الإبداع الأدبي المغربي، وخصوصا في الفن القصصي، إذ جنح إليها القاص حامد البشير المكي بلخالفي لينهل من مظاهرها الحيّة والجامدة، المتحركة والسّاكنة، التي هزّت نفسه وحرّكت مشاعره. فراح يعبر عنها بلغة فيها من الإحساس والخيال والعاطفة ما يلائم الذوق التعبيري الرفيع، ويتماشى مع التركيب النفسي والشعري والوجداني لدى القاص.

على سبيل الختام
على ضوء ما تقدم، نستنتج أن متن «قالت لي المتيمة» هو بحث في ماهية الوجود بتجلياته وقيمه، وظف فيه القاص حامد البشير المكي بلخالفي، غواية السرد المكتسبة من تجربته الإبداعية في سياق إسراء ومعراج. فلئن كانت الرؤية العقلانية هي التي تنشر ظلالها على مختلف الإبداعات المعالجة لقضايا الواقع، فإن اعتمادَ الحدسِ هو النبراسُ الموجِّهُ لإبداع القصة الخامسة «قالت لي المتيمة» ضمن المجموعة القصصة «قبضة من الواقع في بركة من الخيال» التي تزخر بصور اللغةِ الرمزيةِ التي عرفت طريقَها إلى عالم القاص وانسجمت مع منظوره الذي يميل إلى الرمزِ والانتقال بالمتلقي إلى عوالمَ فسيحة الأرجاء. وهذا ما جعل خطابَه يردم الهوة التي تفصل بين التجربةِ المعيشة والسرد، بين السلوكِ والإبداع. وإجمالا نستطيع القول إن الخطاب الرمزي الذي توسل به القاص حامد البشير المكي بلخالفي في نسج خيوط مجموعته القصصية هو بمثابة تخاطب شعوري شَّفَّاف يهدف إلى إثارة كوامن النفس البشرية، وإلى ربطِ الحقائقِ الحياتيةِ بالوجدان الإنساني، لكن ليس بمنطق العقلِ ولا تحت رقابته ووصايته.

٭ كاتب من المغرب