وكالة وطن 24 الاخبارية

آخر أخبار المنتصر بصواريخ إخوته الإيرانيين إسماعيل هنية أنه يقوم بزيارة إخوانية إلى المغرب بدعوة من الإخوان هناك في حزب العدالة والتنمية. أما موضوع الزيارة فهو حسب هنية مناقشة مرحلة ما بعد النصر الذي تحقق في غزة بعد أن دمرت إسرائيل أجزاء من المدينة وشردت عشرات الألوف من العوائل التي تنتظر عمليات الإعمار.

هنية مشغول بمناقشة تداعيات النصر والمرحلة التي تليه، لذلك يسعى لتبادل وجهات النظر مع إخوانه حصرا، فيما العالم كله مشغول بجمع الأموال من أجل إعمار ما دمرته الحرب في غزة. معادلة غريبة فعلا. صاحب الشأن ليس معنيا به وهو الذي حرّض الوحش الإسرائيلي على افتراس غزة، فيما شعوب لا علاقة قربى تجمعها بالشعب الفلسطيني إلا على مستوى العاطفة الإنسانية تسعى لتضميد جراحه وتوفير السقف الذي يستره.

وإذا كان هنية يبرر هروبه من غزة بأنه مطلوب من إسرائيل مثله في ذلك مثل حسن نصرالله المختبئ في نفق، فقد كان عليه أن يقلد زعيم حزب الله ويختبئ في أحد الأنفاق التي تنفق حماس من أجل تشييدها الأموال المخصصة للبنية التحتية لغزة.

غير أن الإسلاميين ينوعون في تقنيات مقاومتهم. البعض يقيم في أنفاق خمس نجوم بما يليق بمزاجه العنيف وثقافته المتدنية، وأما البعض الآخر فإنه يفضل أن يحل ضيفا بدرجة خاصة على الدول التي ترى مصلحة في الاستثمار في الحركات والجماعات غير الشرعية. وهنا علينا أن نتذكر دور الوسيط الذي تلعبه بعض الدول ثمنا لعلاقات مشبوهة تحظى برضا عالمي. فإذا كان هنية قد أعلن عن ولائه للولي الفقيه في إيران فإن قطر كانت هي الدولة التي اختارها محلا لإقامته، ومن هناك كان يدير حربه التي يعرف أنها ستنتهي بانتصاره ما دام على قيد الحياة.

ليس مهمّا ما جرى ويجري في غزة. ما يهمّه فعلا ذلك العرس المعد سلفا الذي أحيته الفصائل بعد أن اضطرت إسرائيل لوقف إطلاق النار بسبب الضغط المصري الذي استند إلى موقف الرأي العام العالمي الغاضب من حرب مدبّرة من أجل أن تطفو بعدها غزة على السطح باعتبارها قضية إنسانية خالية من أيّ بعد وطني.

ذلك الفصل بين ما هو إنساني وما هو وطني هو بالضبط ما تتفق عليه حركة حماس وإسرائيل وهما عبر كل حروبهما تسعيان لتحويله إلى حقيقة بديلة عن كل الحقائق التي تتعلق بفلسطين والشعب الفلسطيني باعتباره كتلة بشرية موحدة.

هناك اليوم شعب غزة. غزة التي لا تقع في فلسطين. غزة التي حاربت وحدها من غير مرجعية فلسطينية. غزة التي لم تتعرض لعدوان خبيث هو نوع من الإرهاب إذ أنه يحصد أرواح المدنيين إلا لأن حركة حماس أزعجت إسرائيل بصواريخها إيرانية الصنع هذه المرة. أما شعبها فإنه لا يملك سوى أن يكون الضحية هذه المرة مثل المرات السابقة. ضحية الحرب كما هو ضحية السلم حين تحوّل إلى رهينة وساتر بشري وواجهة لمأساة تتكرر بين سنة وأخرى من غير أن يواجه المسؤولون عمّا يحدث أيّ نوع من أنواع المساءلة القانونية. لا أحد يعترف أن هناك قوتين إرهابيتين تلعبان بالنار فيما يدفع ما صار يُسمّى بشعب غزة الثمن قتلا وتشريدا وخرابا ماديا.

وتعالوا نجمع أموالا من أجل إعمار ما خرّبته الحرب على المستوى المادي، ولكن ماذا عن المستوى البشري؟ ماذا عن الصدمات القاسية التي يتعرض لها الأطفال والتي تهب هتافات النصر الحمساوي جيلا من المنشدين؟

يبدو العالم كما لو أنه يفكر بطريقة احترافية خالية من المشاعر ذات البعد السياسي. ولكن هنية الذي أشعل الحرب هو أكثر المستفيدين من تلك الطريقة. فما من أحد يلاحقه وما من أحد يدينه وقد حوّل القصة برمّتها إلى حكاية إخوانية. فبدلا من أن يتبادل الآراء مع مَن يمثل الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ذهب إلى إخوته في المغرب ليستفيد من آرائهم في ما يتعلق بمرحلة ما بعد النصر.

إنه مطمئن إلى أن دورة جمع الأموال التي ستنال منها حماس حصة لا بأس بها قد بدأت ولن يزعجه أحد وبالأخص بعد شكره الولي الفقيه في إيران وإعلانه الذي لا لبس فيه عن تحوله إلى الجانب الإيراني في مواجهة الجانب العربي الذي صار عليه أن يساهم في إعادة الحياة في غزة.

وبعيدا عن الموقف الإنساني من غزة وأهلها فإن المجتمع الدولي مسؤول عن الوضع الشاذ الذي تعيشه غزة، كما أن على الفلسطينيين في الداخل والشتات الذين وقفوا ضد العدوان الإسرائيلي أن يتخذوا موقفا معلنا من تلك العصابة التي حولت غزة إلى وسيلة للاستجداء على حساب القضية الفلسطينية.

بقلم : فاروق يوسف