وكالة وطن 24 الاخبارية

ذات الروحية التي اتصفَ بها أبناء الحركة الوطنية بمختلف المواقف والأفعال المُتَصدّية للاحتلال وجرائمه، تراءّت اعتزازاً بما تمَّ مؤخراً من مجريات ضِمن ما سُمّيَ بـِ "سيف القدس"، حتى أنّ كوادر متقدمة وبمستويات مختلفة في حركة "فتح" تبنت موقفاً داعماً للِـ (مقاومة) في غزة، وتَغنَّت كما غالبية القوم بعناصر المشهد هناك، المُزدحِم بتداعيات معنوية وسط حالة الغضب التي ماجت بها الجماهير على امتداد فلسطين التاريخية. هم أنفسهم؛ ترقبوا تصريحاً لِمَن يعتقدون أنه بمقدوره ردم الهوَّة السياسية والأيدولوجية بين الفكرة الوطنية والإسلام السياسي، خاصةً وأنه امتلك من العلاقات مع نشطاء وكوادر بفصائل مختلفة الوطيدة الهامة تحديداً من "فتح"، لكن أياً من ردود الأفعال التي أعقبت معركة جنين في العاشر من الشهر الجاري لم يكن للـ "السنوار" .. هُمَام المقاومة.
 
عادةً ما نتابع فور كل تصعيد من قِبل جيش الاحتلال، على اختلاف مستوياته ومناطقه وأهدافه، موقفين ارتبط كُلٍّ منهما بفريقٍ؛ الأول يُهلِل لكل ما يُصيب الكيان الإسرائيلي مِن قِبل فصائل تتبع تيارات عقائدية وإن كانَ ضَئيل الأثر، مُقابل ما يرتَكِبه الإحتلال من جرائم حرب ممتدة الآثار. الثاني؛ ينخرط في حملة للدفاع عن أفراد الأجهزة الوطنية وإثبات فلسطينيتهم! فها هُم يتصدون للاحتلال وجنده وجهاً لوجه كما حدث في جنين! فلم يختبِئوا بين المدنيين أو تحت الأرض، رغم ذلك لمْ يعتبره الشارع نصراً ولا من أيّ نوعٍ كان! ولا مقاومة الجماهير في "بيتا" للمستوطنين المتطرفين لمحاولتهم إقامة بؤرة استيطانية على قمة جبل أبو صبيح، ولا ارتقاء الشهداء من على أرضها صُنِفَ صموداً أو نصراً مؤزرا ! ولا الكثير من المواقف التي يجابه فيها الفلسطينيون السياسات الإسرائيلية التطهيرية العنصرية في القدس والداخل المُحتَل ومختلف المدن والقرى، أُلحِقتْ بالنصر المبين الذي دفع بالعديد للخروج في مسيراتٍ مؤيدة لما وُصِفَ بالـ(مقاومة) !
 
ويبدو أن استخدام المُفرَدة (مقاومة) اتَّخذ من ضبابية المعنى، ومهارة البعض في توظيفها بسياقات محددة مستثمرين المناخات المواتِية لمقاصِدهم، فَرَضَ طابعاً مؤطِراً لِفاعِليها، بل باتَ تشريعُ استعمالها لفْظَةً حقّاً لِكلِّ مَنْ عَبَروا ! الصادم هنا؛ هو أن رواية المُحتَل هي الختم الذي يُصادِق عليها سليمة المعنى ويجوز تمريرها للضمير الجمعي ! بِذات الوقت؛ تغدو مكونات الكيانيّة الوطنية عاجزة أمام الأهوال التي تقذفها عديد الماكينات تأصيلاً لبروباغندا منفردة في المشهد، ولصالح مشروع الإحتلال التطهيري التوسعي، وبالقدر المُغذي لليمين الإسرائيلي المتطرف. لقد باتت المفاهيم مرصودةً لصالح الأطراف المنضوية برؤى اليمين الشعبوي ومشاريعه المنتشرة حول العالم، بعيداً عما ينسجم والمصالح الوطنية الفلسطينية.  
 
هنا؛ أحد الشواهد على فداحة ما يصول ويجول في المشهد، فبينما تستمر الاحتفالات بالـ (النصر) في كلِّ حدبٍ وبوسائل متعددة، تخرج ذات الجهة المُحتَفِلة لِتَعِد بصلاةٍ قريبة في الأقصى، في إشارةٍ لقرب تحريره! فعن أيّ نصرٍ يدور الحديث؟ عن فقدان العشرات من الأبرياء والمئات من الجرحى والآلاف من النازحين، أم عن مربعات سكنية مُسِحت بأكملها عن خارطة غزة، أم عن الاعتداءات المتواصلة ضد الأهالي في الشيخ جرّاح وسلوان والمتعبدين في مقدسات المدينة! وماذا عن مآلات الـ (المقاومة) بما قُذِفَ رداً على العدوانية الإسرائيلية، بظل الدعوة لـِ (مقاومة) شعبية تهدف "الضغط" على الإحتلال، علّهُ يخفف من "الأزمة الإنسانية" !
 
والسؤال الضرورة بظل ما يدور؛ هل قُزِّمَتْ القضية الوطنية لأزمة إنسانية ! ألهذا ارتقت أرواح الأعزّاء، ويُرابطُ الأحرار في القدس بكنائسها ومساجدها وحاراتها وبلداتها، واعتُقِل المئات من المقاومين في المدن والقرى والمخيمات على امتداد الأرض! وأمّا عن المُساءَلين؛ فهم أولئك المتصدّين لمخطط وأد الوطنية الفلسطينية، لهم ذاتهم نتوجه لِنَسائلهم: ماذا أنتم فاعلون لدماء وكرامة العيسة وعليوي والعموري الذين سقطوا على مذبح مقاومة المُحتل الفعلية ولزملائهم القابضين على الجمر؟ وهل ستُصان تضحيات الجموع الثائرة التي نذرت الأرواح والدماء والأعمار لأجل فلسطين وكرامة شعبها، وذادَتْ عن القرار الوطني المستقل والإطار الجامِع والممثل الشرعي والوحيد؟ وإلى متى ستُنهش رائدة النضال "فتح" باستباحة المارقون لأصالةِ وجهها؟ وهل بات مسلَّماً بمحاولات إحلال مقاصد بديلة لمفرداتِنا الأصيلة كَـ (المقاومة)!.

بقلم : ميساء أبو زيدان.