وكالة وطن 24 الاخبارية

كتب غونار رواية «الراعي الطّيب» في عشرينيات القرن الماضي، وترجمت الرواية إلى معظم لغات العالم، لكن غونار لم يشتهر في العالم كله إلا بعد كتابته رواية «الضيف الأعور»، التي مثلت فيلما سينمائيا في هوليوود، وعلى الرغم من ترشيحه إلى نوبل، لكنه لم يفز بها، واعطيت لصديق مقرب له. يعتبر غونار غونارسون أهم كاتب في أيسلندا، ومن أهم الكتاب الذين اشتهروا في الدنمارك، لأنه كان يكتب رواياته بكلا اللغتين.
 
قلّما نجد رواية مفعمة بالروح الإنسانية الشاملة كرواية «الراعي الطيب»، وباختصار هي رواية عن راع في السابعة والعشرين، كان يعثر أثناء تجواله في الجبال، على هياكل عظمية لخراف ظلّت طريقها ولم ترجع إلى حضائرها، وقصص هذه الخراف شائعة في جميع مناطق أيسلندا، فطبيعة الرعي تقتضي ذلك، لأن الطبيعة فرضت الطريقة على الجميع.

حين ينتهي الشتاء ويبدأ الجو بالاعتدال، واستقبال الربيع، يطلق أصحاب المرعي قطعانهم في جميع مناطق أيسلندا، تنتشر الخراف في الاتجاهات الخضراء، ليلاً ونهاراً، من دون راعٍ وبهذا تختلف عن القطعان في البلاد الأخرى، ففي الشرق والغرب، قديماً وحديثاً، هناك راعٍ يرعى الأغنام، يساعده في أغلب الأحيان كلب متدرب، يتقن عمله، يتبع النعجة الشاردة، ويرجع الخروف المتمرد، ويخيف الذئب الضال، ينطلق مع سيده فجراً، ويرجع معه قبل مغيب الشمس بقليل.

 يحافظ الراعي وكلبه المدرب على جميع الأغنام، ويوجهها إلى المناطق الغنية بالأعشاب الصالحة للأكل، لكن الوضع يختلف في الجنة التي يطلق عليها «أيسلندا». لا يوجد هنا راعٍ، لا كلب، ولا مشرف، القطعان متعلمة على الحرية، على الاعتماد على نفسها، تنطلق وحدها، لا يفرق الجدي أو النعجة بين أرض وأرض، فما دامت الأرض تنبت زرعاً طيباً قابلاً للأكل والاجترار، فهي تتناوله، وهكذا تتوغل الخراف في السهول والجبال، والمضايق، والمنعطفات، تأكل وتمرح طيلة النهار، ثم تخلد إلى النوم حين تتعب.

كنت أرى قبل المغيب أغناماً منبثة في فضاء شاسع، فأجلس في مكاني أراقبها، لأرى من يبادر فيرجعها قبل حلول الظلام، خاصة تلك التي تبعد عن حضائرها عشرات الأميال، وربما مئاتها، فإن كان أمامك جبل وأنت تجلس في غرفتك، فسترى الخرفان متوزعة على سفوح الجبل في أقصى الشرق والغرب، بعيداً تبدو كنقطة بيضاء بحجم رأس الدبوس. تراها هناك حتى سيادة الظلام عليك وعليها، وإن لم تسأل فلن تعرف الحقيقة. والحقيقة هي أنها ترقد في أي مكان تشاء، وتستيقظ مع أول شعاع شمس، لتعود إلى التجوال وقضم الأعشاب، واجترارها، وهكذا دواليك، لكنها تتجه إلى حضائرها ما إن يقارب ديسمبر/كانون الأول على الانتهاء، أي بعد بدء هطول الجليد واشتداد الرياح العاصفة والبرد.

إن فكرة بقائها في مكانها جديدة على من لم يرَ أيسلندا، فمن يسمع ذلك لا يصدّق، أن الأغنام لا تحتاج إلى راعٍ، والسبب أن في البرية وحوشا ولصوصا تتغذى على لحوم الخراف اللذيذة، أو تملأ جيوبها بثمنها، وإن خلت البرية من الوحش واللصوص، فهي لا تخلو من الحشرات والأفاعي، وما يدبّ ويهب ويعض ويلسع وينشر أوباء لا تعدّ ولا تحصى.

هذه النقطة تعطيك فكرة عن هذا الشعب الطيب، الذي لا يحرس مقتنياته، ولا يهتم لما يحدث لها، وفي الحقيقة أن الطبيعة ليست غنية وتوفر العلف والعشب حسب، بل اتخذت دور الطبيب والمراقب الفطن، فشدة البرد في الليل، ونزول درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، كفيلة بالقضاء على جميع الحشرات المؤذية، والزواحف القاتلة، وخلو أيسلندا من الثعالب والحيوانات الضارية ساعد كذلك في تأمين القطعان الهائلة، التي يشكل نتاجها، إضافة إلى مصادر الطاقة المصدرة والصيد.

«الراعي الطيبب»، حكاية شاعرية آسرة مليئة بالتفاصيل عن صراع الإنسان مع الطبيعة، وتدبر أمر البقاء في البرد والثلج، والعيش مع الوحدة بلا رفقة من البشر.

من هذه القطعان الهائلة تنتج أيسلندا أطيب وألذ حليب ولبن وأجبان العالم، وربما يعرف هذه الحقيقة من يسكن شمال سوريا والعراق والأناضول في تركيا، حيث يمارسون نتاج وصناعة هذه الأنواع الفاخرة من منتجات الألبان، التي حرم منها نسبة هائلة من سكان العالم.

الرواية ابنة بيئتها، حتى الخيالية منها فهي ترتبط برباط وثيق ببيئة الكاتب، لذا اشتهرت قصة «الراعي الطيب»، لأنها انعكاس لنبل راويها، فأضفت إنسانيتها العميقة، أجواء مفعمة بروح مناضلة لأجل الآخرين.

خلاصة الرواية عن أحداث يخلقها راعٍ «بندكيت» يعيش في هذه البيئة، بلغ من العمر نحو 27 عاماً، لحظ وهو يجول في جبال ووديان وطنه، عظام خراف نفقت في مناطق بعيدة عن مزارعها، وقدّر أن هذه الخراف تاهت بعد هطول الثلج، والثلج يتساقط أحياناً بكثافة هائلة، فقد يبلغ ارتفاعه بضعة أقدام خلال بضع ساعات، وربما يتجاوز المتر، إن كان على سفح جبل عالٍ، أو قريباً من قمة لا يصل إليها الإنسان بسهولة. فكيف بخروف لا يزيد ارتفاعه عن سبعين إلى ثمانين سنتمتراً؟ لا شكّ في أنه سيغرق في الثلج، وسيستميت في محاولة الخروج، ولا يدري أنه إن خطا خطوة واحدة نحو الأمام، فربما يسقط في هاوية تدقّ عظامه! أشفق بندكيت على هذه الخراف، لم يكن يهمه ثمن الخروف الذي سيضعه صاحبه في جيبه قط، ما همه هو أحاسيس الخروف، وخوفه من ذلك الحبس القاتل تحت الثلج، ورعبه والثلج يذوب بفعل حرارة جسده إلى جلده ثم يتجمد ثانية! أي إحساس بالألم! أي معاناة تنتهي بالموت! لذا قرر وهو في السابعة والعشرين أن يقوم بحملة لإنقاذ هذه الخرفان الضالة، وهكذا بدأ مهمته الإنسانية النبيلة، بأن طاف في المناطق الخطرة التي يحتمل أن تتيه فيها الخرفان، واختار مرافقاً عنده كبش صلب ضخم، يتحمل السفر تحت الثلج «غنارلي»، واختار أيضاً الكلب القوي، المجرّب ليو.

عادة يتجه بندكيت إلى المزارع النائية التي تقع قرب قمم الجبال المتباعدة، التي يصعب المرور بها، أو فيها في أيام الشتاء، ولكي يتحمل البعد المهجور الخطر شديد البرد، يمرّ في رحلته على المزارع القريبة إلى الطريق، ليقضي مع فريقه المجرب بعض الوقت، أو ليرتاح ليلاً، وهذه الخطوة تسهّل عليه مشاق الرحلة، كما أنه بنى قبل أن يصل إلى أبعد نقطة كوخاً صغيراً، يكفيه مع صديقيه إن تلاصقوا وجهزّه بـ»الكازولين، وعيدان الثقاب، وقليل من اللحم المجفف، له ولليو، وبعض العلف لـ»غنارلي»، ولأن هذا الكوخ في منطقة خطرة بعيدة، على أطراف قمم الجبال، فقد أنقذه المرور به دائماً، على الرغم من أن الوصول إليه شديد الصعوبة، فعليه أن يسير ثماني عشرة ساعة في طريق موحش بعيد، يعتمد أوّلاً وآخراً على غريزة مغروسة فيه وفي صديقيه، هذا إن كان الجو ملبداً ينزل فيه الثلج باستمرار، أما إن كان الجو صحواً فقد يرى في ضوء القمر نتوءا صغيراً، على شكل مثلث «جملون» مغروس في الثلج. وأولاً وآخرا لا يمكن أن يصل إلا إذا استعمل مع رفيقيه حواسهم لإيجاده، بعد ذلك سيحفر في الثلج طويلاً، كي يتمددوا على بطونهم وينزلقوا حتى يمروا من فتحة الباب الضيقة الصغيرة.

وعندما كان يمرّ ببعض المقيمين العطوفين، كانوا يتألمون حينما يرون هذا الفريق الصغير، وهو يسير مخاطراً بحياة أفراده، في مهمته لإنقاذ خراف أناس مهملين، تركوا قطعانهم تتيه، فتطوع بندكيت وفرقته لإنقاذها، مخاطرين بأرواحهم. «دائما كان هناك من ينظر في إثرهم ويمضغ التبغ، يتساءل: من يستطيع بحق هذا العالم، أن يفهم أناساً مثل بندكيت، يستهين بحياته، من أجل ماذا؟ من أجل بضعة شياهٍ، تعود لآخرين!» في وقت كان بندكيت نفسه لا يملك سوى القليل!

«الراعي الطيبب»، حكاية شاعرية آسرة مليئة بالتفاصيل عن صراع الإنسان مع الطبيعة، وتدبر أمر البقاء في البرد والثلج، والعيش مع الوحدة بلا رفقة من البشر. بطلها رجل ينطوي على حب لا يدانى لكل الكائنات، عمره سبعة وعشرون سنة، قضى مثلها – في البحث وإنقاذ الخراف، حتى إذ بلغ الرابعة والخمسين تقاعد. إنها رواية قصيرة لكنها مثل كل الأدب الرفيع. تضم أكثر مما يوحي به عدد صفحاتها، إنها حياة كاملة.